فخر الدين الرازي
243
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أكون انا وعثمان وطلحة والزبير من الذين قال اللّه تعالى فيهم وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ . والقول الثاني : ان المراد منه ان درجات أهل الجنة متفاوتة بحسب الكمال والنقصان فاللّه تعالى أزال الحسد عن قلوبهم حتى أن صاحب الدرجة النازلة لا يحسد صاحب الدرجة الكاملة . قال صاحب « الكشاف » : هذا التأويل أولى من الوجه الأول حتى يكون هذا في مقابلة ما ذكره اللّه تعالى من تبري بعض أهل النار من بعض ولعن بعضهم بعضا ليعلم ان حال أهل الجنة في هذا المعنى أيضا مفارقة لحال أهل النار . فان قالوا : كيف يعقل ان يشاهد الإنسان النعم العظيمة والدرجات العالية ويرى نفسه محروما عنها عاجزا عن تحصيلها ثم إنه لا يميل طبعه إليها ولا يغتم بسبب الحرمان عنها فان عقل ذلك فلم لا يعقل أيضا ان يعيدهم اللّه تعالى ولا يخلق فيهم شهوة الاكل والشرب والوقاع ويغنيهم عنها ؟ قلنا : الكل ممكن واللّه تعالى قادر عليه الا انه تعالى وعد بإزالة الحقد والحسد عن القلوب وما وعد بإزالة شهوة الاكل والشرب عن النفوس فظهر الفرق بين البابين . ثم إنه تعالى قال : تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ والمعنى : انه تعالى كما خلصهم من ربقة الحقد والحسد والحرص على طلب الزيادة فقد أنعم عليهم بالذات العظيمة وقوله : تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ من رحمة اللّه وفضله وإحسانه وأنواع المكاشفات والسعادات الروحانية . ثم حكى تعالى عن أهل الجنة انهم قالوا : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدانا لِهذا وقال أصحابنا : معنى هَدانَا اللَّهُ انه اعطى القدرة وضم إليها الداعية الجازمة وصير مجموع القدرة وتلك الداعية موجبا لحصول تلك الفضيلة فإنه لو اعطى القدرة وما خلق تلك الداعية لم يحصل الأثر ولو خلق اللّه الداعية المعارضة أيضا لسائر الدواعي الصارفة لم يحصل الفعل أيضا . اما لما خلق القدرة وخلق الداعية الجازمة وكان مجموع القدرة مع الداعية المعينة موجبا للفعل كانت الهداية حاصلة في الحقيقة بتقدير / اللّه تعالى وتخليقه وتكوينه . وقالت المعتزلة : التحميد انما وقع على أنه تعالى اعطى العقل ووضع الدلائل وأزال الموانع وعند هذا يرجع إلى مباحث الجبر والقدر على سبيل التمام والكمال . ثم قال تعالى : وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ وفيه مسائل : المسألة الأولى : قرا ابن عامر « ما كنا » بغير واو وكذلك هو في مصاحف أهل الشام والباقون بالواو والوجه في قراءة ابن عامر ان قوله : ما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ جار مجرى التفسير لقوله : هَدانا لِهذا فلما كان أحدهما عين الآخر وجب حذف الحرف العاطف . المسألة الثانية : قوله : وَما كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْ لا أَنْ هَدانَا اللَّهُ دليل على أن المهتدي من هداه اللّه وان لم يهده اللّه لم يهتد بل نقول : مذهب المعتزلة ان كل ما فعله اللّه تعالى في حق الأنبياء عليهم السلام والأولياء من أنواع الهداية والإرشاد فقد فعله في حق جميع الكفار والفساق وانما حصل الامتياز بين المؤمن والكافر والمحق والمبطل بسعي نفسه واختيار . نفسه فكان يجب عليه ان يحمد نفسه لأنه هو الذي حصل لنفسه الايمان وهو الذي أوصل نفسه إلى درجات الجنان وخلصها من دركات النيران فلما لم يحمد نفسه البتة وانما حمد اللّه فقط علمنا أن الهادي ليس الا اللّه سبحانه .